|
نفحات من سيرة شيخ الشهداء | |
نفحات من سيرة شيخ الشهداء
|
|
| خضب بالجراح النازفات وجه الزمن، وسجل في التاريخ صفحة تستعصي على النسيان، وأضاء في قلوب الأحرار قناديل الحرية، وقد صبغ أسطورة الفداء الليبي عمر المختار الرابية الخضراء بدم المسك المتسامي من خلجات المعارك التي خلفها وراءه، حتى بارك أعواد المشنقة إثر جهاد طويل دام على مدى عمر شيخ الشهداء، والذي وضع صاحبه في طليعة المسيرة لمن راموا ما عند الله، وعظموا من شأن الأوطان والحرية والاستقلال، والمبادئ التي وهبوها أرواحهم. كالطود ظل شامخا في وجه الطغاة المحملين بالموت، ومن قدموا مطامعهم على حق الحياة المقدس للشعوب، وعبر بجهاده عن المستوى الحضاري الذي بلغته الأمة، وجاء ممثلا لقيمها وكرامتها، وموقعها التاريخي، فما انثنى حتى التف حبل المشنقة إكليلا من غار على عنقه الشريف في لحظة تاريخية عانق فيها الموت قامة البطل. هزيمة إيطاليا الأخلاقية كان الميلاد الحقيقي للشهيد عمر المختار ماثلا في يوم الأربعاء الموافق 4 جمادى الأولى لسنة 1350هـ/ 1931م حيث قررت قوى الشر والظلام إقفال حياة حافلة بالكرامة والكبرياء. كانوا مستعمرين عبروا البحار يحدوهم الأمل الكاذب في أن يزرعوا أحلامهم في الثرى الليبي، فأذاقهم المختار وبال أمرهم، وأكد عظمة التراب الليبي، وأثبت للعدو الإيطالي أنه لا يملك من الموت ما يكفي لإبادة الليبيين حيث كانت الأرض تنبع بالشهداء. وفي اليوم المشهود أهدت الوقائع للدنيا سفرا من أسفار الخلود، وقد تفوق الأداء الإنساني على مجمل إحداث الأرض، لينتقل مركز الحدث إلى ليبيا حيث يسير سيد الأبطال الذي أرعب الخوف مكبلاً بالقيود الثقال إلى ميدان إعدامه، مدفوعا بتاريخ عز نظيره في مقارعة الاستعمار، وتتراءى خلف المسيرة قصة شعب لا يركن إلى ذل، ولا يستقر في القيود، وقد حٌشِد الآلاف قسراً من الليبيين، وجيء بكل الأسرى من المجاهدين، وطابور من الجيش الإيطالي من جميع الألوية؛ ليشهدوا أكبر هزيمة حققتها إيطاليا على الأرض الليبية، حيث وصلت إلى قعر مأساتها الأخلاقية بتقديم المجاهد الشيخ إلى منصة الإعدام؛ ليعيش بعدها في ذاكرة الأجيال، ويطوف بقصة وطن ينشد حريته واستقلاله إلى أنحاء الدنيا التي أصغت السمع لليبيا الجريحة وهي تودع أعظم رجالاتها، وتقرأ بفم واحد “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم أَلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين”. نهايات الجسد وانطلاقة الروح بعد جهاد اثنتين وعشرين سنة قضاها في مواجهات ضارية مع الد المستعمرين، خرج القائد عمر المختار يوم الجمعة في 28 ربيع الآخر سنة 1350 هجري في سرية من خمسين فارساً ناحية سلطنة إلا أن القوات الايطالية كانت تنصب له فخا فحاصرته من كل حدب وصوب. أصيب، وقتل حصانه فأوقعه على الأرض جريحا يخضب دمه الثرى الطاهر، حاول أن يستخدم بندقيته فلم يتمكن، وبينما هو يحاول النهوض دهمه الجنود الطليان وأسروه فطيروا الخبر إلى دودياشي حاكم “المرج” فأرسل طائرة نقلته إلى سوسة، ومن ثَم نقل بحراً في طراد إلى بنغازي، وسجن حتى يوم المحاكمة التي أفضت إلى تنفيذ حكم الإعدام فيه، وتم استشهاده عليه رضوان الله في سنة 1350هـ موافق 16 سبتمبر 1931م. ويذكر غراستياني (أحد أكثر جنرالات الجيش الإيطالي وحشية وهمجية) الذي حضر ليشهد إعدامه في كتابه “برقة المهداة” أنه طلب شيخ الشهداء إلى مكتبه فرأى فيه “شخصية تختصر آلاف المرابطين الذين التقى بهم أثناء قيامه بالحروب الصحراوية”، ولما سأله لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة الفاشستية؟ رد: من أجل ديني ووطني. وعند سؤاله: ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟ أجاب: لا شيء سوى طردكم... لأنكم مغتصبون. أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله. وبعد مدة من الحديث يقول غراستياني - وكان جبينه وضاءً كأنه هالة من نور تحيط به- ارتعش قلبي من جلالة الموقف، أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولُقبت بأسد الصحراء. ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان، ولم أستطع أن أكمل فأنهيت المقابلة”. وكان الشيخ عمر المختار بلغ حينها الثالثة والسبعين من عمره، وقد خاض 263 معركة ضد القوات الإيطالية. معلّم الفتيان وقائد المقاومة عمر بن المختار بن عمر بن فرحات استقبل الدنيا في قرية جنـزور الشرقية بمنطقة بئر الأشهب ببادية البطنان ببرقة سنة 1277 هجري 1861م لأبوين عربيين مسلمين من قبيلة بريدان بطن من قبيلة المنفة أو المنيف وهي من أكبر قبائل مناف بن هلال بن عامر أولى القبائل الهلالية التي دخلت بادية برقة. تلقى تعليمه الأول في زاوية جنـزور، وحفظ القرآن الكريم. وعندما غزت إيطاليا طرابلس وبرقة وبنغازي في 4 أكتوبر سنة 1911م ترك زاوية القصور بالجبل الأخضر، وباشر بتجنيد المجاهدين، ولعظم قوة العدو لجأ لشن الهجمات بالكر والفر أي باستخدام تكتيك الهجوم والانسحاب، فكان ينصب الكمائن لقوات العدو، وينقض في مجموعات صغيرة على حامياته الطرفية، وخطوطه الخلفية، وطرق امتداداته، ودورياته العسكرية، ومخازن تموينه بالغذاء والأسلحة والذخيرة، وكان لديه قوة ظاهرة من المجاهدين مختصة بالاطلاع وجمع المعلومات عن العدو، وكان يجر قوات العدو إلى معارك وهمية بحيث ترد بالقصف المدفعي من البر والبحر على مواقع وهمية للمجاهدين، فيغنم المجاهدون ظروف طلقات المدافع الفارغة ويعبئونها بالبارود. ظل كذلك على مدى اثنين وعشرين عاماً لم يكلّ ولم يتخاذل ولم يستسلم. وشكل نواة المجاهدين وتولى قيادتهم، فحشد الفاشستيون آلاف الجنود بطائراتهم ودباباتهم وأسلحتهم وذخائرهم وهجموا على المدن والقرى وشردوا الآلاف من السكان وقتلوا الكثيرين وأسروا الزعماء ونهبوا الأموال، وهم يقاتلون المختار الذي ظل يقاومهم ففي عهده خاضت المقاومة العديد من المعارك بلغت حوالي 47 معركة، واشتباكات زادت عن 260 اشتباكا، ومن هذه المعارك المشهورة معركة (الرحيبة) في الجبل الأخضر، يوم 28/3/1927 م ، وكان عدد المجاهدين 350 رجلا، والقوة الايطالية بلغت نحو 12 ضابطا ، 744 جنديا، وحقق المجاهدون فيها نصرا مبينا رغم الفارق العددي، واعترفت ايطاليا بخسارتها 340 جنديا في هذه المعركة إضافة إلى 6 ضباط، وكان يجلب السلاح من مصر، فوضع الطليان الأسلاك الشائكة على الحدود ليمنعونه من ذلك فقهر عمر المختار كل القيود واستمر في الجهاد. الجهاد في سياق وطني كان مع شدة المعاناة في ساحات الجهاد وقيادة الرجال وتدبير الأسلحة والذخيرة والتسلل إلى مصر والعودة منها وغير ذلك من المهام الشاقة يتواصل اجتماعيا في المناطق التي يتحرك فيها. وكانت فلسفة المختار الجهادية مبنية على أساس أن الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة ويؤدى بوسائل وطرق مختلفة، معظمها في سياق فرض ضرائب الأعشار على الممتلكات من الحيوانات والمزروعات. والضرائب الواجبة على تجارة القوافل الخارجة من برقة إلى السودان ومصر والقادمة إليها. وعمل على انخراط أهالي النجوع في خدمة حركة الجهاد، من حيث تجنيد المجاهدين وتموينهم بالغذاء وإيواء الجرحى وتمريضهم، علاوة على القيام بأداء واجب الحراسة والمراقبة، وتعويض العائلات بعضها لبعض في حال فقدان معيلها. وقام بجولة واسعة على قبائل برقة في سبيل توحيد حركة الجهاد تحت قيادة واحدة. ونسق باسمها مع قادة الجهاد في طرابلس وفزان/ من أجل وضع حركة الجهاد في سياق وطني عام. وبذلك جعل عمر المختار حركة الجهاد تتصف بطابعها الشعبي العام حتى قضى في ساحات الجهاد، وكان يجسد إرادة شعب يأبى الخضوع. |
[ رجوع ]
